وقفات مع كتاب عبقرية محمد
وقفات مع كتاب "عبقرية محمد" خلال أربة أيام استمتعت بقراءة كتاب مِن أشهر ما كُتِب في الأدب العربي في مجاله كما يقال.. كتاب يحكي لنا مؤلفه سيرة رجل ع...
خلال أربة أيام استمتعت بقراءة كتاب مِن أشهر ما كُتِب في الأدب العربي في مجاله كما يقال.. كتاب يحكي لنا مؤلفه سيرة رجل عظيم لم يعرف التاريخ قبله ولا بعده مثله .. لا في وصفه ولا في صفته ولا في خُلُقِه ولا في خِلْقَته، إنها سيرة سيدي و سيد ولد آدم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام صاحب الخلق العظيم .. و يُعتبر هذا الكتاب أشهر كتاب حبكه الأستاذ العقاد ووسمه ب"عبقرية محمد". لقد تشرفت بقراءة مجموعة من المؤلفات التي تزخر بها المكتبة العربية حول سيرة سيد الرسل عليه السلام، لكنني لم أجد مثيلا لهذا الكتاب لما خصه به صاحبه من حسن البيان و جمال الوصف ودقة العبارة وصدق الإيمان و سعة الثقافة، مما حفزني على مواصلة القراءة و التعليق و التدقيق، و لولا ارتباطي بأعمال أخرى لما قبلت نفسي الشواقة التوقف حتى أنتهي من خاتمة هذا الكتاب الممتع، و الذي يصدق عليه قول أبي العلاء المعريّ.. من الناسِ من لفظُهُ لؤلؤٌ يبادرُه اللقطُ إذ يلفَظُ وبعضهُمُ لفظُهُ كالحصى يقالُ فيلغَى ولا يحفَظُ
شمائل فذة
فهذا الكتاب عجيب في الوصف وعجيب في التعبير عن شخصية النبي الكريم عليه السلام، و كيف وٓفَّق بين أدواره المختلفة في الحياة.. فهو الأب الحنون والزوج اللطيف والعضو الفاعل في قبيلته وفي مجتمعه، أضحى في قومه نبيا ورسولا وداعيا ومحاربا وقائدا شجاعا عظيما وحاكما وقاضيا عادلا ومتواضعا ومعلما وواعظا وعابدا باكيا ومصليا خاشعا، جسده في الارض وقلبه معلق في السماء، فما يزيد على أن يقول في آخر لحظات حياته ، وهو يخير بين الحياة أو الموت، "بل الرفيق الأعلى". لقد تبوأ -بأبي هو و أمي- المقام الأول بخلقته، و المقام الأول بخُلُقِه، و المقام الأول بنبوته، و المقام الأول بين أصحابه و محبيه. كان رقيقًا في السلم، رفيقا في الحرب، ينحاز دائما إلى العفو، حتى على من آذاه و أخرجه من أرضه، بل رفع يديه وقال: '' رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" وهو يمسح الدم عن وجهه مما أصابه من أذاهم، أما صور اللطف و التواضع فهي جلية شتى في سيرته لا تخفى على ذي لُب، قال أبو هريرة رضي الله عنه : دخلت السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتري سراويل ، فوثب البائع إلى يد النبي ليقبلها ، فجذب يده ، ومنعه قائلا له : “هذا تفعله الأعاجم بملوكها ، ولست بملك ، إنما أنا رجل منكم ” ثم أخذ السراويل فأردت أن أحملها فأبى وقال : "صاحب الشيء أحق بأن يحمله ''
يا ملء روحي وهج حبك في دمي قبس يضـيء سريرتـي وزمـامُ أنت الحبيب وأنت من أروى لنـا حتـى أضـاء قلوبنـا الإٍســلام
شوقُ الأحبة
إننا اليوم و كَحال الملايين ممن اتبعوا هذا النبي العظيم في شوق و وَلَع نتطلع إلى لُقيَاه و نحن لم نرَه، و هكذا كان حال الأنصار في شوق إلى لقياه عليه السلام و ذلك قبل قدومه إليهم، يقولون "فو اللهِ ما نبرح حتى تغلبنا الشمسُ على الظِّلال حتى إذا لم يبقَ ظلُّ دخلنا بيوتنا، و قدِم صلى اللهُ عليه و سلم حين دخلنا بيوتنا، فكان أولَ من رآه يهودي و قد رأى ما كنا نصنع، و أنا ننتظر قدومَ رسول الله فصرخ بأعلى صوته، يا بني قيلة هذا جدُّكم قد جاء (جدُّكم أي من تعتقدون نبوَّته)، فخرجنا إلى النبيِّ صلى الله عليه سلم و هو في ظلِّ نخلة و معه أبو بكر..." آمنوا به قبل أن يروه، آمنوا به، و أحبُّوه، و تمنوا أن يقدِّموا أنفسهم فداءً له، و قدتزاحم عليه الناسُ، و ما يعرفونه من أبي بكر. يا لها من صورة مؤثرة للقائد النبي المتواضع الذي يغوص بين مرافقيه و يخالطهم دون تميز.
يتيم يُغيِّر مجرى التاريخ...
ومما جاء في كتاب "عبقرية محمد": "أردنا أن نصف محمداً في عبقريته، أو محمداً في نفسه، أو محمداً في مناقبه التي يتَّفق على تعظيمها من يدين برسالته الدينية، ومن لا يدين له برسالة.. ونريد بذلك أن نذكر محمداً في التاريخ، أو محمداً في العالم وأحداثه الخالدة .. فما مكان هذه العظمة في التاريخ؟... مكانها أن التاريخ كله بعد محمد مرهون بعمله، وأن حادثاً واحداً من أحداثه الباقية لم يكن ليقع في الدنيا كما وقع لولا ظهور محمد وظهور عمله: فلا فتوح الشرق والغرب، ولا حركات أوروبا في العصور الوسطى، ولا الحروب الصليبية، ولا نهضة العلوم بعد تلك الحروب، ولا كشف القارة الأمريكية، ولا مساجلة الصراع بين الأوروبيين والآسيويين والأفريقيين، ولا الثورة الفرنسية وما تلاها من ثورات، ولا الحرب العظمى التي شهدنا قبل، ولا الحرب الحاضرة التي نشهدها في هذه الأيام، ولا حادثة قومية أو عالمية مما يتخلَّل ذلك جميعها كانت واقعة في الدنيا كما وقعت لولا ذلك اليتيم الذي وُلد في شبه الجزيرة العربية بعد خمسمائة وإحدى وسبعين سنة من مولد المسيح".
البداية
يقول الكاتب مصطفى فرحات "إن كتاب (كارليل) المدخل الذي قاد العقاد إلى كتابة “عبقرية محمد”، فقد تساءل هو وثُلةٌ من أصدقائه بمن فيهم المازني: “ما بالنا نقنع بتمجيد “كارليل” للنبي، وهو كاتب غربي لا يفهمه كما نفهمه، ولا يعرف الإسلام كما نعرفه” ، وسأله بعضهم أن يؤلف كتابا عن رسول الإسلام “على النمط الحديث”. فوعدهم بأن يكون ذلك قريبا.. لكنّ الكتاب لم ير النور إلا بعد 30 سنة..!"
إبداعٌ كاتب
كتابة العقاد دُرّة يشدك فيها ببلاغته و حزمة يجذبك فيها بعذوبة كلماته، و لوحة نادرة يُبهِرُك فيها بمنطقه وتحليله، و قَلَّ من يستطيع محاكات أسلوبه، و كأنما منحه الله مفاتيح أبواب خزائن البيان اللغوي يصنع فيها كيفما يشاء. ومع بلاغة وحذاقة هذا الكاتب إلا أنه لم يُجمِع القراء على قبول فكرة هذا الكتاب، بدءاً من عنوانه، وتعقبوا شيئا من فصوله بالنقد اليسير والملاحظة المكملة، وهذه سنة الله في خلقه فالكمال لله، و لكن يبقى هذا الكتاب مرجعًا مضيئا يحكي لنا جوانب من الروعة في شخصية هذا النبي الأمي عليه السلام.
هل مِن مُعتبِر؟
كم نحن بحاجة كمسلمين إلى مراجعة سيرته عليه السلام، خاصة في ظل التناحر الحاصل بين المسلمين و الذي يقدمون فيه صورة مشوهة لرسالته من خلال ممارساتهم التي تنافي روح ما جاء به، فهناك من أجرم كل الإجرام باسم محمد عليه السلام، وهناك مَن بليبراليته سعى لطمس معالم نبوته، وقوم آخرون أبهرهم ماعند غيرهم من حضارة، بينما نسوا أو تناسوا أن أولئك الذين أبهروهم نَهَلوا من مَعين الخير الذي أتاهم من عندنا، و آخرون شغفهم حب الحبيب حتى عظموه بما نهاهم عنه، بينما جفاه آخرون فلا يذكرونه إلا في الجمعة أو في رمضان، فكم نحن بحاجة إلى قراءة هذه السيرة العطرة و تدبُّرِها و أخذ العِبر و الدروس منها أكثر من غيرنا.
الحزن يملأ يا حبيـب جوارحـي فالمسلمون عن الطريـق تعامـوا والـذل خيَّـم فالنفـوس كئيبـة وعلـى الكبـار تطـاول الأقـزام
وختاما: عن سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ . قَالَ : أتَيتُ عَائِشَةَ . فَقُلْتُ : يَا أم الْمُؤْمِنِينَ أَخبريني بخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . قَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآن أما تَقْرَاُ الْقُرْآن قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) . قُلْتُ : فَإِنِّي أُرِيد أَنْ أتبتل. قَالَتْ : لا تَفْعَلْ أما تَقْرَاُ : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ وُلِدَ لَهُ.