رثاء والدي الشيخ سليمان القفاري
إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى. كلمة وفاء في حق والدنا الشيخ سليمان بن علي القفاري رحمه الله
إلى والدتي وإخواني وأخواتي وإلى الأصدقاء والعلماء الأجلاء والوجهاء الفضلاء وإلى أسرة القفاري إلى قبيلة بني تميم وإلى كل المحبين والمعزين الشرفاء الحاضرين منهم والمهاتفين أو المراسلين حفظهم الله جميعا وسلمهم وشكر مسعاهم في مواساتنا.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
أرجو أن تكونوا جميعا بصحة جيدة وأرجو لكم عمرا مديدا على عمل صالح مقبول.
إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبروا ولتحتسبوا.
أحسن الله عزاءنا جميعا بهذه المصيبة التي تهز الجبال، لكن ليس لنا فيها خيار، والخيرة فيما اختاره الله لوفاة والدنا العزيز الشيخ سليمان بن علي القفاري عمدة الأسرة، وجبر الله مصيبتنا فيه وجعله الله من المقبولين وتغمده بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وحشره مع نبيه والخلفاء الراشدين وخيرة من اصطفى من الناس أجمعين. إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.
اصبر لكل مصيبة وتجلد --- واعلم أن المرء غير مخلد أو ما ترى إن المصائب جمة --- وترى المنية للعباد بمرصد من لم يصب ممن ترى بمصيبة --- هذا سبيل لست فيه بأوحد فإذا ذكرت محمد ومصابه --- فاذكر مصابك بالنبي محمد
كريم السجايا وجميل العطايا
إن مما يخفف الحزن والأسى ما عرف عن والدنا الكريم من كريم السجايا وجميل العطايا والصبر الطويل على ما عانى في دنياه وما ألمه من مرض ومصائب، خاصة ما وقع عليه من الظلم والاعتقالات الجائرة لأبنائه خلال الخمسة عشر سنة الماضية، فصبر واحتسب وذكر وشكر ورفض أن يخضع لغير الله فلم يطرق باب أحد، وإنما طرق باب السماء، هكذا نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا.
كم زار من مريض وكم زار من مظلوم فآزره وأيده ومد له يده، ويذكرني بحال والدي هذه الآيات الكريمات:
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (يوسف: 84)
وما قرأت هذه الآيات إلا وبكيت وتذكرت حال والدي وحال عشرات من المظلومين من وراء القضبان في بلاد الإنسانية زعموا.
ولسان حاله يقول:
إذا ما ألمت شدة فاصطبر لها --- فخير سلاح المرء في الشدة الصبر وإني لأستحيي من الله أن أرى --- إلى غيره أشكو إذا مسني الضر عسى فرج يأتي به الله إنه --- له كل يوم في خليقته أمر
صفاته رحمه الله
كم ابتسم، وكم ساعد، وكم كابد، وما أشعر بذلك الآخرين. كان محبا للجهاد والمجاهدين من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان يكره الخنوع ويكره الاستبداد، سياسي من الطراز الأول، ومتابع لأخبار المسلمين في كل مكان، يتلذذ بانتصاراتهم وتوحدهم، ويحزن كثيرا للظلم الذي يقع عليهم أو في حال اختلافهم، ويتحامل على نفسه ويتصبر ويسلي نفسه ويتمنى أن يكون معهم ليناصرهم، ويحث من حوله من الأقارب لمد يد العون لهم، خاصة لاجئي أرض الشام التي انقطعت بهم السبل.
كريم يكره البخل ويحب البذل، يأنس أن يأكل معه الناس. وهو سند مبارك لكثير من الفقراء والمساكين وخاصة العمال، فلا يأكل إلا معهم ويفرح بقربهم ويأنس بهم كما يأنسون به، ولا يحدثهم إلا بلغة المتواضع المنكسر كما يحادث أبنائه وإخوانه. شديد الحب لجيرانه وحريص على رضاهم ويحثنا على ذلك.
كان حبل وصل وثيق لكل الأقرباء والأرحام، بارا بوالديه، وفيا لأصدقائه متواضعا كريما. كم ذهب بي وإخواني منذ نعومة الأظفار فقال هذا عمك وهذا خالك وهذا صديق جدك وهذا خال جدتك وهذا ابن عمتي وهذا يحبه جدي وهذا اجتمع مع أبي وهذا صاحب طاعة، وهذا محب للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. كل الناس يحبهم ويحرص على رضاهم مهما كلفه الثمن.
حمامة المسجد
أحسبه والله حسيبه أنه ممن تعلق قلبه بالمسجد، فلا أذكر يوما من الأيام فاتته فيه تكبيرة الإحرام، ولم يكن يفارق مكانه خلف الإمام. إذا أردت غضبه تأخر عن الحضور للمسجد. أما المصحف فهو أنيسه، ويختمه كثيرا شهريا تقريبا أو أقل مما ألحظه عليه والله أعلم. شديد التخفي في عمل الخير، صاحب قيام في الليل، كثير المناصحة للناس في المسجد، فلا يمر أسبوع إلا وألقى كلمة أو موعظة، وخاصة حين تفوت بعض الجماعة سنة الفجر أو يتأخرون عن الإقامة.
حرصه على الحلال
كان حريصا على أكل الحلال، ولا أعرف أحدا يطلبه شيئا، في حين كان له كثير من الأموال عند الناس، بعضها أتلف ملفاتها. مما أذكر أنه عندما كان يعمل في محلاته في شارع الخبيب ببريدة جاء صاحب المحل ورفع الإيجار من 25 ألف ريال إلى 100 ألف ريال ورفض أن ينزل في السعر. يقول الوالد: وكنت أصلي التراويح ذاك اليوم الذي رفع فيه السعر فكنت أفكر كيف أصلي التراويح وأنا لم أدفع لصاحب الحق حقه أو أخرج من ملكه. يقول: فذهبت بعد الصلاة مباشرة ودفعت له المبلغ وقد عوضني الله عنه خيرا كثيرا من الأرباح.
فكان رحمه الله حساسا جدا في حقوق العباد ودائما كان يقول لي: كن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالم. فكان هذا درسا لي في حياتي.
شهادة الناس
مئات ممن هاتفونا أو راسلونا أو حضروا للمواساة عبروا عن مشاعر طيبة ودعوات مباركة: هذا يقول كان والد الجميع، وهذا يقول حمامة المسجد، وهذا يقول جنازته مشهودة، وهذا يقول كان أبا المساكين، وهذا يقول ناصر المظلومين، وهذا يقول كان أبا وفيا لشباب الصحوة، وهذا يقول فقدنا أحد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
هذه شهادات نعتز بها جميعا:
فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رجل لرسول الله: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت.
فالناس هم شهود الله في الأرض.
لقد كانت جنازته مشهودة، حيث تدافع الناس ووقفوا فأطالوا الوقوف في المسجد وفي المقبرة. قال الدارقطني رحمه الله: سمعت أبا سهل بن زياد سمعت عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز حين تمر.
مجالسه وصلة رحمه
لقد عرف باجتماعاته الدورية ومناسباته السنوية التي تجمع الأصحاب وتقرب الأحباب وتصل الأرحام. كان يتصدق خفية ويصلح بين الناس بماله دون أن نعلم، ويتحامل على نفسه دون إشعار من حوله.
وكم اعتمد بعد الله على نفسه في كل شيء حتى أنه ليتحاشى أن يسأل أحدا ولو للقليل من الأمر. كم مرة خرج ليحضر الخبز لأولاده دون أن يأمرنا أو يطلب منا فعل ذلك. كم مرة قام ليساعد العمال في عملهم. كم مرة قال لي: خلك في دراستك، فأنا لست بحاجة إلى مساعدتكم وإذا احتجتكم أخبرتكم. ولم يخبرني ولو مرة في حياته، أنا الذي أبادر وأتحين الفرص لخدمته وسؤاله وإحضار ما أتوقع أنه يريده فيفرح بذلك.
شعوره بقرب الأجل
كنت أتابع معه حالته الصحية قبل ثلاثة أيام تقريبا وكان يقول لي: يا بني أحس أن ما بي هو الأجل الذي حل بوالدي قبل رحيله، فهي نفس أعراض مرضه مع أنه كان نشيطا يقود سيارته بنفسه. وكأنه شعر بالرحيل وحن لوالديه فقلت: اسمح لي أن نذهب إلى ألمانيا أو لندن وإياك فقط للفحص والتأكد من سلامة الخطة العلاجية التي تسير عليها. فقال: أجلها إلى الصيف، الآن الجو بارد، وهذا إن بقي لي من حياتي شيء. وحينها شعرت بقرب رحيله.
كان كثيرا ما يحب أن يسمع الإمام وهو يقرأ بهذه الآيات ثم يقول: ودي أشوف هذا في الدنيا قبل الآخرة:
وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (إبراهيم: 42)
فقضت حكمة الله بحلول الأجل، لكن الحمد لله رآها في أرض الكنانة وتونس وليبيا وكان ينتظرها في أرض الشام.
الوداع
فيا من غاب عني وهو روحي --- فكيف أطيق من روحي انفكاكا وما فارقتني طوعا --- ولكن دهاك من المنية ما دهاكا يعز علي حين أدير عيني --- أفتش في مكانك لا أراكا ختمت على ودادك في ضميري --- وليس يزال مختوما هناكا فوا أسفي لجسمك كيف يبلى --- ويذهب بعد بهجته سناكا فيا قبر الحبيب وددت أني --- حملت ولو على عيني ثراكا ولا زال السلام عليك مني --- يزف على النسيم إلى ذراكا
إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى. رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وألهمنا وبقية الإخوان والأحباب والأقارب الصبر والسلوان، وجعلك قدوة حسنة لمن خلفك وذراريك في العمل الصالح والصبر والمصابرة والبذل والعطاء وصلة الرحم.
فالدنيا قصيرة والرحيل قريب وليس للإنسان إلا ما قدم. كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقد قدم على كريم.
إذا اجتمعت الأزمات جاءت الفرجات كالفجر الساطع.
اصبر على الدهر إن أصبحت منغمسا --- بالضيق في لجج تهوى إلى لجج لا تيأسن إذا ضقت من فرج --- يأتي به الله في الروحات والدلج فما تجرع كأس الصبر معتصم --- بالله إلا أتاه الله بالفرج