د. عبدالله القفاري

دمعت عيني على امرأة لم أراها

أن يرحل إنسان من الدنيا لا شك أنه يولّد الإحساس بالحزن فيمن حوله.. فها هو الحبيب عليه الصلاة والسلام يقول: "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول...

أن يرحل إنسان من الدنيا لا شك أنه يولّد الإحساس بالحزن فيمن حوله.. فها هو الحبيب عليه الصلاة والسلام يقول: "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". وكلما كان الراحلون أقرب إليك كلما كان الحزن أشد والألم أقوى عليك.

اليوم يسطر قلمي رحيل إنسان خالف هذه النظرية يرحل إنسان لم أره في حياتي وهي امرأة ليست أيضا محرماً من محارمي.. ومع كل هذا إلا أن رحيلها كان صدمة هزتني من أعماقي.. عندما قرأت رسالة الوتساب التي وصلتني حاولت أن أعيد قراءتها أكثر من مرة حاولت ايضا تجاهلها لكن هل نستطيع أن نمسك العين أن تتأكد من مثل هذه الأخبار؟ فجأة تأتيني رسائل كثيرة متتالية تنقل الخبر وتتضرع بالدعاء.. حينها تأكدت أن الخبر حقيقة وأن قدرة الله نافذة..

والبقاء لله وحده.. "كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة" "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"

حينها تذكرت أن رحيل "أم محمد العثيم" وهي بنت العم نوال القفاري وحرم صديقنا وحبيبنا د. أحمد العثيم ليست أول من يرحل من الدنيا قطعا.. نعم ليست أول من يرحل ولكنها أول امرأة أشعر أن قلمي يدفعني لأسطر كلمات عن رحيلها.

صبراً أبا محمد

بيت أم محمد بيت عامر بالكرم عرفه كل زائر إلى لندن بيت عامر بالضيوف لا يكاد يمر يوم بدون ضيف.. واجتماعات أسبوعية ضخمة في ديوانهم العامر يستقبل الضيوف من كل الجنسيات العربية والإسلامية.. إنها زوجة عميد الكرم في لندن الدكتور أحمد العثيم الصديق العزيز على قلوبنا جميعا الذي طالما ذكر أم محمد بالحب والوفاء والتقدير والاحترام.

ما أشبه الليلة بالبارحة

رحيل أم محمد الكريمة بنت الكريم فاجعة كبيرة للكثيرين.. وما أشبه اليوم بالبارحة لقد ذكرني رحيلها برحيل والدها العم الكريم جربوع القفاري رحمه الله قبل عقد من الزمن في حي الملز بالرياض حينما تفاجأ الناس بوفاته في أحد المناسبات العامة حينها هزّ خبر وفاته الجميع وتوافد الناس إلى جنازته من كل حدب وصوب..

مدرسة في الوفاء

أم محمد تحمل في قلبها المتعب من الآلام الذي طالما جعلها تردد من أجله على الأطباء منذ ولادتها وحتى فارقت الحياة.. ومع ذلك فهي تحمل فيه الكثير من الحب للناس. الحب غير المتصنع للاقارب.. الحب للجيران.. الحب للصغار.. الحب للمحتاجين.. مدرسة في الحب.. مدرسة بالتفاؤل.. مدرسة بالصبر على المرض الذي لازمها كثيرا.. مدرسة بالصبر على الغربة على فراق الأهل والوطن.. مدرسة بحب الناس وإقامة المناسبات احتفالا بالاخرين.

القلب الكبير

أم محمد لها قلب كبير كالقصر الجميل وصفته في أحد تغريداتها بكلمات تكتب بماء الذهب فهاهي تقول: "سبحان الله منذو عرفت نفسي وأنا أعلم أن القلب أربع غرف.. ولكني اكتشفت أنه فندق كبير وكلٌ له مكانه ولكن هناك من لهم غرف وهناك من لهم أجنحة فاخرة".

الذكر الجميل

أم محمد رحلت من هذه الدنيا ولكن لم يرحل ذكرها الجميل عند مئات من البشر عرفوها من قريبات وصديقات ومحتاجات وقفت معهن في غربتهن واحتفلت بكثير منهن.. كيف لا وهي من جعلت بيتها ضيافة "5" نجوم لمن يزورها أو يحتاجها في كل وقت وحين! كيف ينساها أناس رسمت في وجوههم الابتسامة والتفاؤل والأمل والتواضع والبساطة..

لهذا كله كانت تقول في أحد تغريداتها: "عندما تغيب شمسي هناك ناس سيذكروني أسأل الله أن يذكروني بالخير ويدعون لي دعوة مجابة". يارب ارحمها وتقبلها عندك في الصالحين.

وتقول مرة أخرى: "اشياءٌ صغيرة تجعلني أسعد الناس كفنجال قهوة مع من أحبهم". شي جميل من التواضع يكسو حياتها مع الاخرين.. لهذا احبها الكثيرون.

تغريدات مودع

أم محمد بعد رحيلها أجبرتني على الذهاب وقراءة كل رسائلها في تويتر فزاد عجبي مما سطّرت يداها! شي مذهل.. كل ريتويت كتبته حكمة أو درس أو قاعدة تربوية لم أجد كلاماً غير مفيد لم أجد هجوماً على أحد لم أجد مجادلاتٍ أو مهاتراتٍ بل لم أجد شيئاً فضولياً.. كل ما سطرت يداها كان جميلاً ومفيداً يستحق أن يطبع على شكل كتيب بعنوان "ريتويتات أم محمد.. حكم وقواعد وقوانين للحياة".

حتى تاريخ المسلمين لم تنساه وهي تتذكر الرحيل من الأندلس حين قالت: "ماذا تعرف عن 3 من يناير.. هو آخر يوم لحكم المسلمين في الأندلس وقد خرج عبدالله منها باكياً فقالت أمه: ابكِ كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال".

التفاؤل والأمل

الذي يتصفح كتاباتها يعلم أنها تتصف بالتفاؤل والحب والأمل والاهتمام بالعلاقات المفيدة والنصح والتعلق بالله والدار الآخرة وخدمة الاخرين فها هي تقول: "نظرتك الإيجابية لما يجري حولك تغير حياتك للأسعد والعكس صحيح". "الإنسان هو من يصنع سعادته وهو من يتوهم تعاسته". "يارب قلبي ملئ بناس أحبهم فانا نستودعك إياهم فأحفظهم من الشر يارب".

ثم تقول ايضا: "اللهم احفظ أهلي وأحبابي وأسرتي (زوجي وابنائي) وأصحابي وكل من له حق علي يارب".

ثم تؤكد على الحب والعطف الذي هو سجية من سجاياها فتقول: "احضنوا من تحبون، اسكبوا عليهم من جميل الكلام ما يغرقون به حَدّ الفرَح فسيأتي يوم تتمنوا لو يعودن".

وصية مودع

وأخيراً سطرت بيديها أسطراً جميلة كأنها وصية مودع وكأنها تقول: إني راحلة إلى ربي سيهدين إلى أبي وجدي وأحبابي الذين رحلوا. فهاهي تقول: "اللهم اني استودعتك نفسي وقلبي وابنائي وزوجي وكل احبابي". ثم تقول: "اللهم ارحم أبي اللهم ارحم أبي اللهم ارحم أبي ونور قبره واجعله روضة من رياض الجنة فإنه بين يديك يا أرحم الراحمين".

وتسطر يديها بالحمد والشكر والثناء لربها: "اللهم ارزقني ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". "يارب لاتقبضني إليك إلا وأنت راضٍ عني". "اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا".

ثم تختم كتاباتها وتعلق آمالها بربها فتقول: "اللهم علّق قلوبنا برجائك واقطع رجاءنا عمن سواك" "من توكل على الله كفاه". ثم تناجي ربها بشي لم تفصح به وكأنها تقول يارب اشتقت إليك طال الفراق يارب أنا أحبك يارب أتمنى أن أحيا في جناتك ثم تكتب وتنادي وتقول: "يارب في خاطري شئ أعجز عن شرحه ولكنك أعلم به". ثم تناجي ربها بهذا الدعاء: "اللهم ارزقنا لذة النظر الى وجهك الكريم" "اللهم ظلّل علينا يوم الحشر".

ثم تشكر ربها على نعمه عليها في هذه الدنيا فتقول: "غارقون بنعمك يالله فارزقنا شكرها" "من أعظم نعم الله أن تصبح وتمسي وأنت معافى فهذه النعمة لايدركها إلا من يفتقدها.. الحمد لله عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته". ثم تطلب منه الغفران فتقول: "استغفرالله من ذنوب نسيتها وقد كُتبت في صحيفتي، استغفرك ربي واستغيث برحمتك وغفرانك".

ثم تلخص حياتها قبل رحيلها بكلمات: "اللهم جملني بقلب رحيم وعقل حكيم ونفس صبورة يارب اجعل بسمتي عادة وحديثي عبادة وحياتي سعادة وخاتمتي شهادة".

ثم تتمنى الختام الجميل فتقول: "يارب لقني الشهادة". بعدها تطلق صرخة إلى باريها وكأن ختامها مسك بعد حياة من الإنجاز والألم والأمل تنادي بأمنيات لها فتقول: "يارب لاتقبضني إليك إلا وأنت راضٍ عني". "يارب جنة بلا حساب ولا سابق عذاب". "اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم". "اللَّهُمَّ إني أسألك النعيم يوم القيامة والأمن يوم الخوف".

وبعد كل هذه الأمنيات تختم في آخر تغريده لها قبل رحيلها وتؤكد طلبها من ربها وتقول: "يأتي بها الله إن الله لطيف خبير".

ما أجمل هذه الحياة لامرأة صابرة صادقة بارة بوالديها محبة لمن حولها حاضرة بقلبها مع زوجها وأولادها في كل باب خير أو صلة أو معروف.. فهنيئا لك أبا محمد بهذه الزوجة الصالحة وهنيئا لكم "محمد وأبرار وعبدالله ولين" بهذه الأم المثالية وهنئيا لأسرة القفاري أن تكون هذه المرأة من أفرادها وهي التي أحاطت الجميع بالحب والقلب الواسع على ماكانت تعاني منه من الألم المخلوط بالأمل.

وختاما أحسن الله عزاءكم وعزاءنا جميعا وجبر مصابكم ومصابنا جميعا وإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شي عنده بأجل مسمى. ورحم الله أم محمد وأسكنها فسيح جناته وصبر أسرتها واحبابها جميعا على فراقها.